قصة DivX

جيروم في خريف عام 1999 في الجنوب الفرنسي، تحديدا مدينة مونبيليه، وضع جيروم “جيج” روتا كل أعماله الفنية على قرص اسطواني ليزري مدمج واحد، لكنه واجه مشكلة بسيطة، ذلك أن تطبيق عرض مقاطع الفيديو التي صممها، كان من نتاج شركة مايكروسوفت، والتي أصدرت في شهر سبتمبر 1999 الإصدارة الثانية من تطبيق مشغل الفيديو هذا (ميديا بلاير)، لكن حين حاول جيروم عرض أعماله باستخدامه، حياه التطبيق الجديد بشاشة بيضاء ميتة. بدلا من أن يعيد جيروم تشفير أعماله وفق المعيار الجديد، فإنه غطس في ثنايا المشفر ليفهم المشكلة.لوضع أعماله كلها على قرص واحد، احتاج جيروم كذلك لتطبيق تشفير/فك تشفير (كودك) يقوم بضغط ملفات الفيديو – المشهورة بأحجامها العملاقة – دون فقدان كبير في جودة الفيلم (الضغط القوي يعني انخفاض دقة وجودة الفيلم محل الضغط). هذه لم تكن المشكلة الوحيدة، في هذا الوقت، كانت التطبيقات التي تؤدي هذه الوظيفة تتكل على شرائح إلكترونية، تتراص على بطاقة قائمة بذاتها – أو مدمجة مع بطاقة عرض (فيجا) متقدمة.

بدأ جيروم ينقب عن تطبيقات متوفرة تحقق له ما يريد، وعبر سؤال الخبراء على انترنت، نصحوه بدراسة بروتوكول Mpeg4 وهو ما فعله بالتعاون مع مبرمج ألماني على مشفر مايكروسوفت، حتى توصل إلى طريقة عمل المشفر، وبدأ يدخل بعض التغييرات هنا وهناك، حتى خرجت النسخة الأولى من التطبيق الشهير DivX (المعتمد في الأساس على مشفر من تصميم مايكروسوفت، لكن مع تعديلات عديدة جعلت منه منتجا قائما بذاته).

في ذلك الوقت، كان الدخول على انترنت بسرعة عالية انجازا في حد ذاته، ولذا عمد جيروم ليجعل ديف اكس يحتاج أقل قدر ممكن من سرعة الاتصال بانترنت، مع توفير أعلى دقة ممكنة، تعادل دقة معيار DVD، ولما انتهى من برمجته أرسله إلى أصدقائه على انترنت، الذين أرسلوه بدورهم إلى غيرهم، وهكذا انتشر المشفر كما النار في الهشيم، ففي هذا الوقت، كانت شهرة تشفير MP3 لضغط الأغاني قيد الانتشار السريع، وكان جمهور انترنت بحاجة لمعيار يعينه على تحويل أفلام الفيديو إلى ملفات ذات جودة عالية وحجم صغير.

بلغت جودة مشفر ديف اكس أنه قدم نتائج تبز تلك لتطبيقات مايكروسوفت وريل نتوركس، ما جعل الملايين تستعمله، خاصة وأنه في البداية كان تطبيقا مجانيا (ولا زال لليوم، لكن مع بعض التفاصيل والدعايات). بدون سابق خبرة، صمم جيروم موقعا بدائيا على انترنت لتنزيل البرنامج، وفي خلال شهر كان التطبيق قد نزل أكثر من 500 ألف مرة.

عاب تطبيق ديف اكس أنه حمل شهرة سيئة في البداية، ذلك أن قراصنة البرامج والأفلام عكفوا على استعماله لتوفير موادهم المقرصنة، ما جعل شركات الإنتاج تبدأ تحارب التطبيق ومن يستخدمونه.

في عام 2000، وبناء على دعوات من الشاب والمستثمر الأمريكي جوردان جرينـهال (29 سنة وقتها)، سافر جيروم (27 سنة وقتها) إلى سان دياجو – أمريكا، راحلا عن فرنسا، ليكمل مشوار تطوير وبرمجة ديف اكس، وليؤسسا معا شركة DivX في شهر مايو 2000، من أجل تطوير مشروعه الوليد بشكل احترافي.

كان سبق للأمريكي جوردان جرينـهال أن عمل ضمن فريق موقع MP3.com وشاهد كيف نما الموقع بسرعة وتطور وكبر، وهو أراد تحقيق الأمر ذاته مع ملفات الفيديو، ووجد بغيته في ديف اكس. رغم أن جيروم كان يختبئ خلف اسم مستعار، لكن جوردان عثر عليه، وأقنعه بالسفر إلى أمريكا، ثم أسس معه الشركة، وعمد إلى جمع أفضل خبراء برمجة الفيديو في الشركة، ثم حصل – بعد بحث – على المستثمر الذي ضخ له ما يحتاج من أموال لتكبير وتطوير الشركة.

بعدها بدأ يشترك مبرمجون من حول العالم في تطوير التطبيق (وقعت غالبيتهم في الصين)، وبعد طرح ديف اكس ضمن التطبيقات مفتوحة المصدر، تمكن العالم من المشاركة في تطويره وتصحيح عيوبه وإضافة الجديد إليه. في الأسبوع الأول من طرحه، عرض ألف فقط مبرمج المشاركة في تطوير وبرمجة التطبيق. رغم أن هذا الاستقبال الحار فتر بعد فترة من الزمن، لكن المجتهدين من المبرمجين كان نصيبهم التوظيف للعمل ضمن فريق التطوير!

مثلما تتبع جوردان أثر جيروم، تتبعه صحفي يعمل في جريدة وول ستريت جورنال الشهيرة، وأراد أن يجري معهما مقابلة، وبعد نشرها، كان الموعد مع المزيد من الشهرة. تصادف في هذا الوقت أنه كانت تجري وقائع محاكمة الشاب مبرمج تطبيق فك شفرة أفلام الفيديو DVD أو ما كان يسمى تطبيق DeCSS من على الأسطوانات من أجل نسخها على أجهزة الكمبيوتر، وحدث أن استعان المدعون في المحكمة بهذا التطبيق مع تطبيق ديف اكس لعرض قضيتهم، حيث كانت كاميرات الصحفيين تتطلع وتنتظر. مع شهرة كهذه، يصعب ألا تجمع المال.

مع تحول شركات كبرى لترخيص تقنية DivX لضغط وعرض الفيديو، خاصة شركة بليزرد لتصميم ألعاب الكمبيوتر، والتي استعملته في أفلام لعبتها ديابلو 2 الشهيرة، بدأت شركات أخرى تطلب شراء رخصة التطبيق لوضعها في مشغلات الفيديو، وفي الهواتف النقالة (مثل هاتف سامسونج F500) والكاميرات الرقمية (كانون) وفي العديد من الأجهزة التي تتعامل مع الفيديو، سواء بالتسجيل أو العرض. في عام 2006، حققت الشركة مبيعات إجمالية قدرها 60 مليون دولار.

اليوم، يمكنك حشر 90 دقيقة من الفيديو عالي الجودة على قرص ذاكرة فلاش سعته 1 جيجا بايت، عبر استخدام مشفر ديف اكس. بدأت أجهزة ألعاب بلاي ستيشن3 و اكس بوكس360 دعم عرض الملفات المشفرة عبر ديف اكس، كما أصبح هناك نظام تشفير ملفات خاص بنظام ديف اكس.

السؤال الآن: كم من المواقف المماثلة مرت على المستخدمين العرب، وكم منهم حلوها بالقرصنة، وكم منهم عبر البرمجة!

Advertisements
  1. لا توجد تعليقات حتى الأن.
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: